لفرض “مرحلة إدماج”.. مفاوضات حاسمة في النمسا حول إصلاح المساعدات الاجتماعية ومكافحة الفقر

النمسا ميـديـا – فيينا:
بدأت الأحزاب المشكلة للحكومة الائتلافية في النمسا، بعد ظهر اليوم الثلاثاء، مفاوضات سياسية حاسمة للبت في مشروع قانون “مساعدات الشؤون الاجتماعية الجديدة” (Sozialhilfe NEU)، الذي قدمته وزيرة الشؤون الاجتماعية كورينا شومان (SPÖ)، وذلك بهدف توحيد نظام المساعدات على مستوى البلاد وتعزيز إدماج المستفيدين في سوق العمل، وسط تباين حاد في المواقف وتحذيرات متصاعدة من المنظمات الإنسانية من تداعيات التعديلات المطروحة.
مفاوضات مغلقة ونقاط خلافية معقدة
تجري المحادثات السياسية بين أطراف الائتلاف الحكومي بعيداً عن وسائل الإعلام، ومن المتوقع أن تمتد حتى وقت متأخر من المساء دون الوصول إلى نتائج نهائية سريعة، نظراً لكثرة القضايا العالقة التي لم يُحسم أمرها بعد. وكان مشروع القانون قد أُعد من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية في مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، وعُقدت أولى الجلسات التمهيدية على مستوى كبار الموظفين والخبراء الأسبوع الماضي، إلا أن مشروع القرار يواجه تحفظات وعدم رضا من جانب حزب الشعب النمساوي (ÖVP) وبقية الشركاء.
معدلات الأطفال: عقدة المفاوضات ومخاوف التمييز
تُشكل تحديد المبالغ المخصصة للأطفال وآلية تدريجها (Staffelung) نقطة الخلاف الرئيسية في مشروع القانون؛ حيث يُطرح تساؤل حول ما إذا كان ينبغي تخفيض المخصصات المادية للطفل الثالث أو الرابع مقارنة بالطفل الأول. ويتضمن اقتراح الوزيرة شومان العودة إلى فرض حد أدنى للمخصصات على مستوى الدولة بعد أن كانت الولايات تتمتع بحرية تحديدها، وذلك عقب إلغاء المحكمة الدستورية العليا عام 2019 لنظام التدرج السابق باعتباره تمييزاً بحق الأطفال الإضافيين. وتزداد المفاوضات تعقيداً مع تمسك بعض الولايات النمساوية—خاصة الخاضعة لإدارة حزبي الشعب والأحرار—باعتماد معايير محلية متشددة.
اعتماد مبالغ ثابته بدلاً من الحد الأقصى
ينص مشروع القانون الجديد على إلغاء المفهوم الحالي القائم على “الحد الأقصى” للمساعدات الاجتماعية للبالغين—والذي كان يتيح للولايات تقديم مبالغ أقل—واستبداله بنظام “المبالغ الثابتة” (Fixbeträge). وتستند هذه المبالغ إلى المرجع الصافي للزيادة التكميلية (Netto-Ausgleichszulagenrichtsatz) والمعروف بمعاش الحد الأدنى، والذي يبلغ في عام 2026 نحو 1308.39 يورو إجمالياً (ما يعادل حوالي 1230 يورو صافياً بعد اقتطاع 6% للتأمين الصحي). ووفقاً للنسخة المسربة، لن يُسمح للولايات بتجاوز هذه المبالغ أو تخفيضها إلا في حالات محددة، كامتناع الشخص القادر على العمل عن التعاون مع مكتب العمل.
“مرحلة الإدماج”: شروط مشددة على المهاجرين والقادرين على العمل
تضمن المشروع طرح ما يُعرف بـ “مرحلة الإدماج” (Integrationsphase)، والتي تنص على عدم منح الحد الأقصى للمساعدات تلقائياً لجميع المستحقين؛ إذ سيحصل الأشخاص القادرون على العمل والذين لم يندمجوا بعد بشكل دائم في المجتمع وسوق العمل على خدمات أساسية فقط بنسبة تبدأ من نحو 70% من المبلغ الكامل (أي ما يعادل حوالي 860 يورو). ولن يتمكن المستفيد من الانتقال إلى تقاضي المبلغ الكامل إلا بعد تقديم إثباتات رسمية تؤكد بذله جهوداً جادة في التعلم والإدماج والبحث عن عمل.
زيادة البدل الإضافي للأطفال وتمويلها عبر ضرائب كبار الدخل
بالتوازي مع قانون المساعدات الاجتماعية، يناقش الائتلاف إمكانية رفع البدل المالي الإضافي للأطفال (Kindermehrbetrag) من 700 يورو إلى 1000 يورو ليدعم العائلات ذات الدخل المنخفض التي لا تستفيد كلياً من الخصم الضريبي العائلي. ولتغطية تكاليف هذه الزيادة، اقترحت وزارة المالية تعديل الشريحة الضريبية العليا (55%) لتُفرض على الدخل الذي يتجاوز 500 ألف يورو بدلاً من مليون يورو سابقة، وهو الاقتراح الذي قوبل برفض مبدئي من قيادات حزبي الشعب (ÖVP) واللبراليين (NEOS)، مع إبداء الاستعداد لمواصلة النقاش. وفي المقابل، يحمل المشروع تحسينات للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال مضاعفة الإعفاء الضريبي على الأصول وإلغاء التزام المقاضاة عند بلوغ سن 25 عاماً.
المنظمات الإنسانية تحذر من تراجع شبكة الأمان الاجتماعي
في سياق متصل، جددت منظمة الكاريتاس (Caritas) والدياكوني (Diakonie) وفولكس هيلفه (Volkshilfe) تحذيراتها الشديدة من تداعيات هذه الإصلاحات، مشددة في بيان مشترك على ضرورة مكافحة الفقر بفعالية بدلاً من إضعاف شبكة الأمان الاجتماعي الأخيرة في البلاد. وأعربت المنظمات عن قلقها من احتمال فرض اقتطاعات تصل إلى 400 يورو لكل شخص بالغ، وتراجع حماية الأطفال، وتقييد الاستقلالية الذاتية للفئات المستفيدة.